باب: قول الله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
00:00:02
إن كنتم تعلمون فلا تجعلوا لله
أندادًا، اتل أول الآية:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١، ٢٢]،
لَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يُقِرُّ به هؤلاء من أفعاله التي لم يفعلها غيرُه
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ،
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ، هذه أفعالٌ لا يفعلها غيره سبحانه وتعالى، هم يُقِرُّون بها ولّا
لا؟ يُقِرُّون بأنه لا نِدَّ له في ذلك، وأنه وحده الفاعل، لهذا يُقِرُّونَ بِهِ،
كلُّ مَن أقرَّ بذلك لَزِمَهُ أن لا يعبد إلا هذا؛ لأنه لا يستحق العبادة مَن لا
يفعل ذلك، ولا تنتفي العبادة عمن فعل ذلك، ولهذا أتى بالفاء الدالة على التفريع،
والسبب؛ فلا تجعل، أي: فبسبب ذلك لا تجعلوا لله أندادًا، و(لا) هذه ناهية، والأنداد
جمع نِد؛ وهو النظير والشبيه، لا تجعلوا له أندادًا في الربوبية، صح؟
طلبة: لا.
الشيخ: يقولون: ما جعلنا
نِدًّا في الألوهية؛ لأنهم هم ما جعلوا لله أندادًا في الربوبية، لكن نقول: لا
تجعلوا لله أندادًا في الربوبية لمن ينكر الربوبية، لكن هؤلاء لا تجعلوا له أندادًا
في العبادة كما أنكم لم تجعلوا له أندادًا في الربوبية، ولهذا قال:
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لا تجعلوا له أندادًا في أسمائه
وصفاته؛ لأنهم قد يصفون غير الله بأوصاف الله عز وجل، كاشتقاق العُزَّى من العزيز،
وهم أيضًا يُسَمُّون رحمن اليمامة، فيعطونه وصفًا لا يليق إلا بالله.
وقوله:
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَالجملة هنا حالية في موضع نصب
حال من فاعل (تجعلوا) يعني: والحال أنكم تعلمون، المعنى: تعلمون أنكم جاعلون لله
أندادًا، أو تعلمون أنه لا نِدَّ له؟
طلبة:
لا.
الشيخ: لا، فاهمين الفرق بين الأمرين؟ فلا تجعلوا
لله أندادًا وأنتم تعلمون أنكم جاعلون له أندادًا، فأما إن جعلتم أندادًا وأنتم
جاهلون بذلك فافعلوا؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن ما يستقيم المعنى كذا؟
طلبة: ما يستقيم.
الشيخ: إذن وأنتم
تعلمون أيش؟ أنه لا أنداد له؛ لأن هذا محط التقبيح من هؤلاء أنهم يجعلون أندادًا
وهم يعلمون أنه لا أنداد له في ماذا؟ في الربوبية، أما في الألوهية فيجعلون له
أندادًا، ولهذا قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام:
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥]، ويقولون
في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لكَ تملكه وما ملك
.
ويش ها العقول الخربانة، إلا شريكًا هو لكَ تملكه وما ملك؟! إذا صار مملوكًا
كيف يكون شريكًا؟ ولهذا نعى الله عليهم عقولَهم في قوله:
فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إذن الأنداد
بالمعنى العام -بقطع النظر عن كونه يخاطب أقوامًا يقرون بالربوبية- يشمل الأنداد في
الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأنتم تعلمون أنه لا نِدّ له.
(
وقال
ابن عباس في الآية -أي: في تفسيرها-: الأنداد هو الشرك)، وهذا تفسير بالمراد لا
بالمعنى؛ لأن التفسير تفسيران: تفسير بالمراد، وتفسير بالمعنى الذي يُسَمَّى تفسير
الكلمات، الأنداد هو الشرك، ابن عباس رضي الله عنهما يدري أن الأنداد جمع نِدّ، وأن
النِّدّ في اللغة الشبيه والمثيل، لكنه فَسَّرَه بالمراد، فعندنا الآن وجهان
للتفسير؛ أحدهما التفسير اللفظي الذي هو تفسير الكلمات، وهذه يقال فيها: معنى كذا
كذا، والثاني التفسير بالمراد، فيقال: المراد بكذا كذا، والأخير هو المراد، والمعنى
يقول ابن عباس رضي الله عنه: هو الشرك هذه الأنداد.
فإذن الند الشريك المشارك
لله تعالى فيما يختص به وفيما يجب له (
أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في
ظلمة الليل)، (
أخفى من دبيب) المراد بالدبيب هنا ليس فعل النمل، المراد
بالدبيب أَثَر النمل، أثر دبيبه؛ لأن الدبيب إذا أردنا أن نضرب به الوصف في الخفاء
ما نجد هذه الصفاة، دبيب النملة على الصفاة أَبْيَن من دبيبها على التراب إلا إذا
أردنا بأن الدبيب صوت قرع أقدامهم، فإذن المراد الأثر، (
أخفى من دبيب النمل)
يعنى -مثلًا- أنت الآن تشوف طالع تقول: هذا دبيب النمل يعني: أثر دبيبه، (
من
دبيب النمل على الصفاة السوداء)، مين اللي بيشوف في ظلمة الليل؟ ولهذا يقولون:
ما (...) أخفى من هذا في؛ أولًا: دبيب أثره صغار ولَّا كبار أيه خف البعير ولا شيء،
الثاني: على صفاة، ليس على تراب، فهو أخفى، والثالثة: الصفاة سوداء، لو على بيضاء
قد يَبِين؛ مع كثرة الترداد يتلوث البياض، والرابع: في ظلمة الليل، هذا من أبلغ ما
يصير في الخفاء، إذا كان الشرك في قلوب بني آدم أخفى من هذا فنسأل الله أن يُعِين
على التخلص منه، ولهذا قال بعض السلف: أنا ما عالجتُ نفسي معالجتَها على الإخلاص.
ويُرْوَى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما قال مثل هذا قالوا: يا رسول
الله، كيف نتخلص؟ قال:
«قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ
بِكَ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا
نَعْلَمُ» ؛ لأنه الحقيقة هذا
مسألة الشرك خَفِيّ جدًّا للغاية، وإحنا دائمًا نسأل الله أن يُصْلِح لنا ولكم
القلوب، دائمًا نقول: إن الإنسان يجب عليه أن يعتني بإصلاح قلبه، ربما يكون فيه
شَبَه من المشركين بالشرك، شبه من اليهود في الحسد، شبه من المنافقين بالغل والحقد،
وهكذا، فعليه أن يطهر قلبه دائمًا، ويكون مثل صاحب الشجرة المنجل دائمًا في يدهِ
يقطع هذه الأغصان الرديئة حتى يبقى القلب خالصًا، والله المستعان.
إذن لاحظوا
هذا الوصف من ابن عباس رضي الله عنهما تجدون أنه أخفى شيء ما بعده خَفِي، يقول:
(
وهو أن تقول: والله، وحياتك يا فلان وحياتي)، (والله وحياتك يا فلان) هذه
جمعت بين نوعين من الشرك؛ الأول: حَلِفٌ بغير الله؛ وحياتك، والثاني: إشراك مع الله
بقوله: والله وحياتك، فجعل القسم بحياة هذا المخاطب كالقسم بالله، كقوله: ما شاء
الله وشئت (...) اثنان من الشرك هما: الحلف بغير الله، وهذا وحده شرك، لو قال:
وحياتك، فهو شرك، الثانية: ضَمُّها إلى الله بماذا؟ بالواو المقتضية للتسوية، ففي
هذه الجملة نوعان من الشرك، تقول تخاطبه: والله وحياتك يا فلان، وحياتك يا سيدي ما
فعلت كذا وكذا، هذا شرك، هل هو أكبر ولَّا أصغر؟ حسب ما يقوم بقلب الْمُقْسِم؛ إن
قصد أن حياة هذا الرجل مساوية لحياة الله فهو شرك أكبر، وإن قصد أنها أعظم من الله
فهو شرك أكبر، أكبر من أكبر، فيه ناس لو تحلِّفه بالله ملأ لك الدنيا بالحلف بالله،
ولكن لو تقول: احلف بفلان الولي اللي عنده مُقَدَّس، ما يحلف أبدًا إلا صادقًا،
ولهذا يقع السؤال: هل يجوز أن يحلف هذا الرجل بالولي اللي هو يعظِّم لأني لو بحلفه
وأنا أطالبه بالله يحلف، عندي له مليون ريال وجحدهم، ما عندي شهود، أو عندي وثيقة
وضاعت، حضرنا عند القاضي، فقال القاضي للمدعي: عندك بينة؟ قال: ما عندي بينة، ويش
يتوجه؟ اليمين على المدَّعَى عليه، قال له: تحلف بالله ما عندك له شيء؟ قال: نعم،
كم تبغي من يمين أحلف بالله وأعطيك، والله العلي العظيم الغالب الطالب الواحد
القهار ما عندي له شيء، قال له تحلف بالولي الفلاني اللي بيعظم، قال: لا، إذا صارت
في بطنه يقول: لا، هل نحلِّفه هنا استخراجًا للحق منه أو لا نحلفه؛ لأننا لو
حَلَّفْنَاه لأقررنا الشرك، إي ما نحلِّفه؛ لأنه لو حلفنا بغير الله أقررنا الشرك،
وتوصلنا إلى شيء مباح بطريق مُحَرَّم، فنحلفه بالله، وإذا حلف بالله كاذبًا فسيجد
جزاءه.
طالب: (...) على اليمين عرفنا أنه
كاذب.
الشيخ: أبدًا.
طالب:
وإذا جاء ليحلف ما نخليه يحلف.
الشيخ: إي، لا، ما نقول
هكذا؛ لأننا إذا قلنا: احلف، حتى نمتحنه، فإذا توقف عن الحلف حكمنا عليه، فمعناه
أنه طلبنا منه شركًا، فأصل هذا الطلب مُحَرَّم ولّا؟
قد يقول قائل: نُوَجِّه
اليمين عليه ونشوف إذا بغى يحلف عرفنا أنه صادق، وقلنا: خلاص احلف بالله، وإذا
عَيِيَ عرفنا أنه كاذب، فحكمنا عليه، ولكن الظاهر أنه لا يجوز حتى في هذه الحال؛
لأنه مجرد توجيه الحلف بغير الله، أو طلب الحلف بغير الله إلى هذا الشخص هذا إقرارٌ
للشرك، وإذا ضاع حقك تلقاه يوم القيامة.
طالب: إذا
بَيَّنَ بعد أن قال له: احلف بغير الله، ثم لما انتهى من المجلس قال (...) بغير
الله كذا وكذا..
الشيخ: لا لا، أبدًا لا يجوز، مجرد
إقراره ما يجوز، طيب وحياتي وحياتي أيش يعني؟ أن تقول: وحياتي، القسم بغير الله
حكمه إن اعتقد أن الْمُقْسَم به بمنزلة الله في العظمة فهو شرك أكبر، وإلا فهو شرك
أصغر، جملة مستقلة، يعني وأن يقول: وحياتي، فعلى الاحتمال الأول يكون نوع الشرك
فيها أنها حَلِفٌ بغير الله، وتشريك غير الله معه بالواو، وعلى الاحتمال الثاني
تكون حلفًا بغير الله فقط.
(
وتقول: لولا كُلَيْبَة هذا لأتانا اللصوص)،
كُلَيْبَة تصغير كلب، والكلب يحرس ثلاثة أشياء ولّا شيئين؟ شيئين؛ الماشية والحرث،
ويصيد شيئًا ثالثًا أو لا؟
طالب: يقال: واللي عنده
البنات.
الشيخ: بنات.
الطالب: يعني مثل الدار.
الشيخ:
المهم اللي ورد به النص، والباقي يلحق بهؤلاء، المهم أنه لولا كُلَيْبَة هذا تحرس
الغنم لأتى اللصوص، هذه الكلمة (لولا كُلَيْبَة هذا) قد يكون فيها شرك، والإنسان لا
يدري، وذلك بأن ينظر إلى هذا السبب دون المسبِّب وهو الله عز وجل، فيقع في شيء من
الشرك، هذا شِرْك خَفِيّ، وأما الاعتماد على السبب الشرعي أو الحسي المعلوم فقد
تقدم أنه لا بأس به، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ
النَّارِ» ،
لكن قد يقع في قلب الإنسان إذا قال: لولا كذا لحصل كذا، أو لَمَّا كان كذا قد يقع
في قلبه شيء من الشرك بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبِّب وهو الله عز وجل.
(
ولولا البط في الدار لأتى اللصوص)، شوف البط ويش هو؟ نوع من الطيور،
والبط من عادته أنه إذا دخل شخص غريب على أهل البيت فإنه يصرخ ويكون له أصوات،
يقول: (
لولا البط في الدار لأتى اللصوص)، إذا دخل اللص وفيه بط قام يصرخ
فينتبه أهل البيت.
(
ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما
شاء الله وشئت).
بالمناسبة (
لولا البط في الدار لأتى اللصوص)
يقولون: إن شارب الدخان ما يقرب بيته اللص أبدًا، محروس، ولا يقربه الكلب أيضًا،
وهذه منفعة عظيمة تشجع على شرب الدخان؛ أن اللصوص ما يقربون بيته، وأن الكلاب ما
تقربه، فيه خصلة ثالثة نسيتها؛ يموت ولا يهرم، يموت من غير هرم، قال: ليش؟ قال: لأن
بيته ما تأتيه اللصوص؛ لأنه كل الليل يكح، وإذا صار كل الليل يكح معناه أن اللص عرف
أن في البيت أحدًا مستيقظًا يدخل البيت ولّا لا؟ ما يدخل البيت، أما الكلب ما
يقربه؛ لأنه ما يمشي إلا على عصا هزيل، والكلب ما يقرب اللي معه عصا، كذا؟ وأما أنه
يموت ولا يهرم فلأن الموت أسرع من الهرم عنده، إذن هذا تحذير ولّا تشجيع؟ لما
فُسِّر صار تحذيرًا.
(
وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئتَ)، هذا فيه
نوع من الشرك، ما نوعه؟ تشريك غير الله مع الله، بماذا؟ بالواو، فهذا شرك، ثم ما
نوع هذا الشرك؟ إن اعتقد أنه مساوٍ لله عز وجل في التدبير والمشيئة فهو شرك أكبر،
وإن لم يعتقد ذلك، بل هو يرى أن مشيئة الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء فإنه شرك أصغر
يجب الحذر منه.
قال: (
وقول الرجل: لولا الله وفلان)، مثل (
ما شاء
الله وشئت)، نوع الشرك فيها أنه أشرك غير الله مع الله بالواو التي تقتضي
التسوية، لا تجعل فيها فلانًا، ويش أقول؟ لولا الله.
| وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا |
وَلَا تَصَــــدَّقْنَا وَلَا
صَــــــلَّيْنَا |
فتقول: (
لولا الله لا تجعل فيها
فلانًا).
(
هذا) المشار إليه ما سبق (
كله) كل الجمل
(
به) بالله (
شرك)، يعني هذا كله شركٌ بالله، فمنه ما هو شرك أصغر،
ومنه ما هو شرك أكبر، حسب ما يقوم بقلب الشخص من نوع هذا التشريك.
(
رواه ابن
أبي حاتم، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه)، الحديث فيه ضعف.
طالب: (...).
الشيخ: (
وعن عمر بن
الخطاب)، اكتبوها في الصواب: (وعن ابن عمر)، الحديث هذا عن ابن عمر، وعن ابن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن أبيه،
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ
أَشْرَكَ» ، رواه
الترمذي وحسنه وصححه الحاكم).
قوله:
«مَنْ حَلَفَ
بِغَيْرِ اللَّهِ»، (مَن) شرطية، فتكون للعموم، و(بغير الله) عامٌّ أيضًا،
«فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»، (أو) هذه للشك من
الراوي، هل قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فقد كفر) أو قال: (فقد أشرك)؟ والذي
يناسب المقام أن يكون الصواب: (فقد أشرك).
قوله:
«مَنْ
حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ» يشمل كل مخلوق، سواء بالكعبة، أو بالرسول صلى الله
عليه وسلم، أو بالمصاحف، أو بالشمس، أو بالقمر، أو بأي شيء غير الله.
وهل يشمل
الحلف بصفة الله؟ لا، ما يشمل؛ فالحلف بصفات الله جائز؛ لأن الصفة تابعة للموصوف،
فتقول -مثلًا-: وعزة الله، وحياة الله، وقدرة الله، هذا جائز، فالحلف بصفة من صفات
الله من الحلف بالله.
«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ
اللَّهِ» هل المراد بـ(غير) هذا الاسم، أو المراد المسمَّى؟ المراد
المسمَّى، فإذا حلف بالله، أو بالرحمن، أو بالسميع، أو بالبصير، وما أشبه ذلك من
أسماء الله تعالى فهو حلف بالله.
وقوله:
«فَقَدْ كَفَرَ
أَوْ أَشْرَكَ» قلنا: الظاهر أن صواب الحديث: (أو أشرك)؛ لأن الحلف -كما هو
معروف عند أهل العلم- تأكيد الشيء بِذِكْر مُعَظَّم بصيغة مخصوصة؛ بالواو، أو
الباء، أو التاء؛ لأن حروف القسم ثلاثة: الباء والواو والتاء، كذا؟ والباء هي
أعمُّ؛ لأنها تدخل على الظاهر والْمُضْمَر، وعلى اسم الله وغيره، ويُذْكَر معها فعل
القسم ويُحْذَف، أو لا؟ أنا أقول: الباء، الباء هي أعم حروف القسم؛ لأنها ثلاثة
حروف للقسم: الباء، والواو، والتاء، والباء أعمها؛ لأنها تدخل على الظاهر
والْمُضْمَر، هذه واحدة، وعلى لفظ الجلالة (الله) وغيره، ويُذْكَر معها فعل القسم
ويُحْذَف،
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ [الأنعام: ١٠٩]،
أَقْسَمُوا بِاللَّهِذكر فعل القسم
ولّا لا؟ طيب، وتقول: بالله لأفعلن، بدون فِعْلِ القسم، وتقول: الله تعالى عظيم
جليل أحلف به لأفعلن، وتدخل على الضمير، وتقول: بالله أحلف، بالرحمن أحلف، بالسميع
أحلف، وما أشبه ذلك، وتدخل على كل اسم من أسماء الله.
أما الواو فإنها لا
يُذْكَر معها فعل القسم، ما تقول: أحلف والله، ولا تدخل على الضمير، وأما التاء
فإنه لا يُذْكَر معها فعل القسم، وتختص بالله ورب، كما قال ابن مالك:
| .................. |
....... وَالتَّاءُ لِلَّهِ
وَرَبْ |
مع أن التاء مع (الله) أكثر، المهم أن الحلف
تعريفه: تأكيد الشيء بِذِكْر مُعَظَّم بصيغة معروفة؛ بالباء، أو بالواو، أو التاء،
هذا الحلف لا يجوز؛ أن يحلف الإنسان بغير الله، مهما كان ذلك الغير، أو بصفة من
صفاته عز وجل، فإن فعل فقد أشرك؛ لأنه جعل مرتبة المخلوق في مرتبة الخالق في
التعظيم.
ثم نقول: (فقد أشرك)، إذا حلف بغير الله يشرك شركًا أكبر أو
أصغر؟
طالب: لا، أكبر.
الشيخ: أكبر، توافقون؟ أصغر، قوله:
«فَقَدْ
كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»، معلوم أن الشرك مُحَرَّم ولو كان أصغر، وهل يغفره
الله؟ اختلف في هذا أهل العلم، فقال بعض العلماء: إن قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨]
يعني الشرك الأكبر،
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨] الشرك الأصغر والكبائر والصغائر أيضًا، وقال شيخ
الإسلام: إن الشرك لا يُغْفَر ولو كان أصغر؛ لأن قوله:
أَنْ يُشْرَكَ بِهِمصدر مؤول، فهو نكرة في سياق النفي؛ إذ إن التقدير: لا
يَغْفِرُ شركًا به، أو إشراكًا به، وهذا نكرة في سياق النفي، فيكون عامًّا، فإذن
الشرك ولو كان أصغر فإنه لا يُغْفَر إلا بتوبة.
فإذا قال قائل: هذا يفيد أن
الحلف بغير الله شرك، وأنه يجب الحذر منه، فما جوابكم عن قوله تعالى:
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١]،
لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١]،
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١]، وما أشبه ذلك من المخلوقات التي أقسم الله بها؟
فالجواب: إن هذا القسم من الله عز وجل، ولله تعالى أن يُقْسِم بما شاء من خلقه،
وهو حاكم لا محكومٌ عليه، وسائلٌ لا مسؤول،
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، وما علينا إلا أن نستسلم ولا
نعترض، هذا السجود لغيره كُفْر، وفي مرة من المرات صار تَرْك السجود لغيره كُفْرًا
ولّا لا؟ لأن الأمر كله لله عز وجل، وإليه يرجع الأمر كله، هذا جواب. جواب آخر: أن
الإقسام بهذه المخلوقات هو في الحقيقة تعظيم لله عز وجل يُعَظِّم به نفسه، ويمدح به
نفسه؛ لأن هذه الآيات التي أقسم بها الآيات الكونية كلها آيات تدل على عظمته، فكأنه
أثنى بالقسم على نفسه بما تتضمنه هذه الآيات من الدلالة على عظمته وقدرته، فكأنه
ثناء على نفسه بهذا بطريق القسم بها الدالّ على تعظيمه، أما نحن لو قال قائل: إذن
لماذا لا نفعل نحن هكذا؟ قلنا: لأننا نُهِينَا عنه، فصار القسم بهذه الآيات العظيمة
لا يرد عليه، ويش الجواب؟
الجواب من وجهين؛ الأول: أن هذا مِن فِعْل الله،
والله تعالى لا يُسْأَل عما يفعل، وله أن يُقْسِم سبحانه وتعالى بمن شاء من خلقه،
وهو سائل غير مسؤول، وحاكم غير محكوم عليه.
ثانيًا: أن نقول: إن ما أقسم الله
به من هذه الآيات كلها دَالٌّ على عظمته، وعلى تمام قدرته وحكمته، فيكون في القسم
بها الدالّ على تعظيمها ورفع شأنها يكون فيه ثناءٌ على الله عز وجل بما تتضمنه من
الدلالة على عظمته.
فإذا قال قائل: هذا المعنى الأخير لماذا لا نفعله نحن ونثني
على الله تعالى بالإقسام بها؟ قلنا: لأننا نُهِينَا عنه، فعلينا أن نقول: سمعنا
وأطعنا.
فإن قال قائل: هذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال:
«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»
، وقال:
«مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ
لِيَصْمُتْ» ،
وقال:
«لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» ، أما
آخر
«فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ
آبَائِكُمْ» ، فما هو الجواب عن
قوله صلى الله عليه وسلم:
«أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ
صَدَقَ» ،
وهذا ثابت في صحيح مسلم،
«أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ
صَدَقَ»، أقسم الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي هذا الرجل، فما هو الجواب؟
طالب: (...).
الشيخ: ليش
ما عطفنا عليها؟
طالب: يقول: أفلح وأفلح.
الشيخ: لا، كان يقول: وأبوه، ثم أبوه كافر، ما يدري عنه هل هو
مفلح ولّا ما هو مفلح، ما يدري.
الجواب على هذا من عدة أوجه، ولنستعرضها لننظر
ماذا يصح منها وما لا يصح، قال: أنكر بعضهم هذه اللفظة وقال: إنها لا تثبت بالحديث،
لماذا؟ لأنها مخالفة مناقضة للتوحيد، كيف النبي صلى الله عليه وسلم يفعل شيئًا
مناقضًا للتوحيد؟! فإذن يكون مدلول هذه الكلمة في الحديث مُناقضًا لما عُلِمَ
بالضرورة من دين الإسلام؛ وهو خالص التوحيد، وما كان مناقضًا لذلك فهو عند أهل
العلم شاذٌّ أو باطل موضوع، فلهذا أنكره، هذا واحد.
وقال بعضهم: إن (وأبيه)
تصحيف من الرواة، وإن أصلها (أفلح والله إن صدق)، لكن كانوا في الزمن السابق ما
يشكلون الكلمات؛ (أبيه) إذا حذفنا هذه النقط السفلى تشبه (الله) ولّا لا؟ تشبه
(الله)، نعم بس إنها ترفع شوي النبرات، فقالوا: إنها تصحيف، وأصلها (أفلح والله إن
صدق) لكن الراوي صَحَّف وقال: أفلح وأبيه إن صدق، هذا اثنان.
الوجه الثالث: أن
هذا مما يجري على الألسنة بغير قصد، وقد قال تعالى:
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة: ٨٩]، وهذا ما نوى، فلا يؤاخَذ، هذه
ثلاثة أوجه.
الرابع: أن هذا وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه
الصلاة والسلام أبعد ما يكون عن الشرك بخلافنا نحن، فنحن مَنْهِيُّون عن هذا، لكن
الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو منهي، لماذا؟ قولوا.
طلبة: لأنه لا يتصور في حقه الشرك.
الشيخ: لأنه لا يتصور في حقه الشرك، أبعد الناس عن هذا، هذه
أربعة.
الوجه الخامس: أن هذا منسوخ، الحلف بغير الله منسوخ، وأن النهي هو الناقل
عن الأصل، فيكون هو المعتمد، كم دولي؟ خمسة أوجه، نشوف أيهم أصح؛ الوجه الأول:
إنكار أن تكون ثابتة، وهذا لا ممكن؛ لأن الحديث صحيح ولا يمكن إنكاره، وما دام يمكن
أن تحمل الألفاظ المروية على وجه صحيح فإنه لا يجوز إنكارها.
الثاني: أنه تصحيف،
نقول: هذا وإن أمكن على بُعْد في قوله:
«أَفْلَحَ وَأَبِيهِ
إِنْ صَدَقَ» لكن لا يمكن في قول الرسول عليه الصلاة والسلام لمن سأله: أي
الصدقة أفضل؟ فقال:
«أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ»
، يمكن تصحيف
هنا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما
يمكن، إذن سقط اثنان.
الوجه الثالث: أنه مما يجري على اللسان بغير قصد، وما كان
جاريًا على اللسان بغير قصد فإنه لا يؤاخَذ به، وهذا أيضًا ليس بصحيح؛ لأن النهي
وارد، مع أنهم كانوا يجري على ألسنتهم هذا مثل ما جرى على لسان سعد، فنهاه النبي
عليه الصلاة والسلام، وكوننا نقول لمن تكلم بكلمة شرك: إننا لا ننهاه؛ لأن هذا مما
يجري على لسانه، نقول أيضًا لمن فعل فعلَ شرك: لا ننهاه؛ لأن هذا من عادته كذا،
وهذا ليس بصحيح، فهو إذن باطل.
الرابع: أن هذا صادر من الرسول صلى الله عليه
وسلم وهو أبعد الناس عن الشرك فيجوز له أن يحلف بغير الله؛ لأنه لو حلف ما قصد
تعظيم المحلوف به، وهذا أيضًا باطل، كيف الرسول بيقول الشرك؛ لأنه ما يمكن يشرك،
لكن يمكن على تسليم هذا أن يقوله لأنه لا يمكن يشرك لكن يُقْتَدَى به أو لا؟
يُقْتَدَى به، فإذا فعل الرسول شيئًا اقتدى به الأمة، فيكون هذا باطلًا يمنعه
التأسي به، ويش يبقى عندنا؟
الخامس: وهو أنه منسوخ، وهذا هو أقرب الأقوال، أنه
منسوخ؛ لأن النهي ناقل عن الأصل، والظاهر أنه منسوخ، هذا هو الظاهر.
ولو قال
قائل مثلًا: نحن نقلب عليكم الأمر، ونقول: إن المنسوخ هو النهي؛ لأنهم لما كانوا
حديثي عهد بشرك نُهُوا أن يُشْرِكُوا بالقسم، كما نُهِيَ الناس حين كانوا حديثي عهد
بشرك عن زيارة القبور، ثم أُذِنَ لهم فيها، ويش تقولون (...)؟
إن وصف الرسول
عليه الصلاة والسلام بأنه شرك هذا باطل ولّا لا؟ والشرك لا يجوز لا لمن كان حديث
عهد بشرك، ولا لمن كان بعيد عهد بشرك، لكن زيارة القبور بَيَّنَ الرسول عليه الصلاة
والسلام الحكمة من الإذن فيها وهي أنها تُذَكِّر الآخرة
، فالمهم أنه لا شك
عندي في أن المتأخر هو النهي عن الحلف بغير الله، وأما ما ذُكِرَ فإنه يجاب عنه بما
سمعتم.
طالب: فضيلة الشيخ، نحن نقول أيضًا بأن (...).
الشيخ: إن الأحاديث الواردة -والحمد لله- أمكن الجمع
بينها وبين غيرها أو التأليف على الأصح بأن يقال: إن الصواب هو أنها منسوخة، هذا هو
الصواب، وإن كان النووي -رحمه الله- ارتضى أن هذا مما يجري على اللسان بغير قصد،
لكنه كما رأيتم ضعيف ما يمكن القول به.
طالب: يا شيخ
التاريخ ما فيه..
الشيخ: ما فيه تاريخ.
الطالب: (...).
الشيخ: وهذا الإيراد
الأخير يمكن يقوِّي القول بأنها شاذّة أو أنها مُنْكَرة، والحمد لله واضحة ما فيه
إشكال عندي أنه حرام، وأنه من الشرك، وإن كان بعض العلماء كَرِهَه كراهة تنزيه،
وبعض العلماء أجازه إذا لم يكن للتعظيم، لكن الصحيح أنه حرام، وأنه من الشرك؛ إما
الأصغر، أو الأكبر.
(...)
(وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لَأَنْ أَحْلِفَ بالله كاذبًا أَحَبّ إِلَيَّ من أن أحلف بغيره
صادقًا) قوله:
(
لَأَنْ) اللام هذه لام الابتداء، و(أن) مصدرية، فيكون قوله: (أن أحلف) يكون
مؤولًا بمصدر مبتدأ، التقدير: لَحَلِفِي بالله، وأما قوله:
(أَحَبّ إِلَيَّ)
فهذه خبر المبتدأ، هل لها نظير في القرآن؟ نعم، قوله تعالى:
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٤]، فإنّ (أن
تصوموا) هذه مبتدأ حُوِّل الفعل للمصدر؛ لدخول (أن) المصدرية عليه، و(خير) خبر
المبتدأ.
يقول: (
لأن أحلف بالله كاذبًا) حال من فاعل (أحلف)، يعني: أحلف
حال كوني كاذبًا أَحَبّ إِلَيَّ من أن أحلف بغيره صادقًا.
وقوله:
(أَحَبّ
إِلَيَّ) هذا من باب التفضيل الذي ليس فيه شيء من الجانبين، وهذا نادر في
الكلام؛ لأن التفضيل في الأصل يكون المعنى ثابتًا في الْمُفَضَّل، ويش بعد؟
والْمُفَضَّل عليه، وأحيانًا يكون موجودًا في الْمُفَضَّل دون الْمُفَضَّل عليه،
وأحيانًا يكون غير موجود لا في هذا ولا في هذا، فابن مسعود لا يحب لا هذا ولا هذا،
لكنه أَهْوَن عليه أن يحلف بالله كاذبًا من أن يحلف بغيره صادقًا.
الحلف بغير
الله كاذبًا مُحَرَّم من وجهين؛ الوجه الأول: أنه كذب، والكذب في ذاته مُحَرَّم،
الوجه الثاني: أنه قَرَنَ به اليمين، واليمين تعظيم لله عز وجل، وإذا ربطت بالكذب
صار معنى ذلك أن الحالف لديه تَنَقُّصٌ لله عز وجل حيث جعل اسمه العظيم مؤكِّدًا
لأمرٍ كَذِبٍ، ففيه شيء من الاستهزاء، ولهذا كان الحلف بالله كاذبًا عند بعض أهل
العلم من اليمين الغموس الذي تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار، عرفتم؟
إذن
الحلف بغير الله كاذبًا مُحَرَّم من وجهين؛ الأول: أنه كذب، والكذب حرام، الثاني:
أنه قرن باليمين لتأكيده، وتأكيد الشيء باسم الله الأعظم وهو كذب نوع من الاستهزاء
والسخرية وتَنَقُّصٌ لله عز وجل.
وأما قوله: (من أن أحلف بغيره صادقًا)، هذا
فيه محذور واحد وهو الشرك، أما الخبر فهو صِدْق ما فيه محذور، لكن المحذور الشرك،
وهذا دليل على أن ابن مسعود رضي الله عنه يرى أن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب،
وأعظم من سيئة الحلف بالله على وجه كذب، وأعظم من اليمين الغموس إذا قلنا: إن هذا
من اليمين الغموس؛ لأن سيئة الشرك لا تُغْفَر،
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، وما أُرْسِلَ الرسل وأُنْزِلَت الكتب إلا لِدَحْض الشرك وإبطال
الشرك، فهو أعظم الذنوب،
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، وسُئِلَ النبي عليه الصلاة والسلام:
أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا
وَهُوَ خَلَقَكَ» .
فيُسْتَفَاد من كلام ابن مسعود رضي الله عنه أن الحلف بغير الله حرام ولّا لا؟
حرام، وأعظم من الكبائر.
مثال ذلك: رجل قال: والله لقد قَدِمَ فلان، وهو ما
قَدِمَ، هذا حلف بالله كاذبًا، ورجل آخر قال: وحياتي إن فلانًا قَدِم، وهو قادم،
هذا شرك، هو صادق، قادم، لكنه حلف بغير الله، فيكون مُشْرِكًا.
(وعن حذيفة
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا
تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ
اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ»، رواه أبو داود بسند صحيح)، (لا تقولوا)؛ (لا)
ناهية، ولهذا جُزِمَ الفعل بعدها، (
لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان)،
لماذا؟ لأن هذا يقتضي تسوية (...).
وإن لم يقصد ذلك وفي قلبه أن المعطوف أقل من
المعطوف عليه لكنه أتى بهذه العبارة فهو شرك أصغر؛ لأنه شرك في اللفظ، وليس شركًا
في المعنى، فيكون شركًا أصغر، وإن اعتقد أن المعطوف أعلى من المعطوف عليه، لكنه أتى
بالمعطوف عليه تَزَلُّفًا، كما يوجد من بعض المنافقين مثلًا، هم يقولون ها الكلام
وهو في قرارة نفوسهم أن المعطوف أعظم، ويش يصير هذا؟ أشد، جعل غير الله أعظم من
الله -والعياذ بالله- فالمراتب إذن ثلاثة: أن يعتقد أن المعطوف أعظم، أو أنه مساوٍ،
أو أنه أقل، وفي كل الحالات هو شرك، لكن في الحالين الأوليين يكون شركًا أكبر
مُخْرِجًا عن الْمِلَّة مُبِيحًا للدم والمال، وفي الأخيرة يكون شركًا أصغر.
(ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان)، لما نهى بَيَّنَ الطريق المباح، قال:
«وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ
فُلَانٌ»، لماذا جازت هذه الكلمة؟ لأن (ثم) للترتيب والتراخي، فتفيد أن
المعطوف أقل مرتبة من المعطوف عليه بكثير ولّا بقليل؟ بكثير؛ لأن هذا مقتضى (ثم)؛
للتراخي.
بقي أن يقال: ما حكم قول: ما شاء الله فشاء فلان؟ بالفاء، قلنا: هذه
مرتبة بين مرتبتين؛ بين مرتبة الواو ومرتبة (ثم)، فهي تختلف عن (ثم) بأن (ثم)
للتراخي، وتوافقها بأنها للترتيب، وأما الفاء فإنها للترتيب، لكن للتعقيب، معاقبة،
فالذي يظهر لي أنها جائزة، لكن التعبير بـ(ثم) أولى؛ لأنها اللفظ الذي أرشد إليه
النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنها أَبْيَن في إظهار الفرق بين الخالق وبين
المخلوق.
يستفاد من هذا الحديث زيادة على موضوعه
الذي ساقه المؤلف من أجله إثبات المشيئة للإنسان أو لا؟ (ثم شاء فلان)، والذين نفوا
المشيئة عن العبد من هم؟
طالب: القدرية.
الشيخ: لا.
طالب: الجبرية.
الشيخ: الجبرية نفوا المشيئة عن العبد، وقالوا: إن العبد يفعل
بدون مشيئة، وبدون اختيار، وبدون قدرة، بل هو مُجْبَر على عمله مسلوب الإرادة
والقدرة، والذي ينزل من السطح مع الدرج كالذي يسقط من السطح في الريح، كلاهما سواء،
وتقدم لنا عدة مرات مناقشة هذا الرأي، وبيان أنه من أبطل الأقوال.
ويستفاد من هذا الحديث فائدة هامشية، كما يقولون من الموضوع
الذي من أجله ساقه المؤلف: إنه ينبغي لمن سد عن الناس بابًا مُحَرَّمًا أن يفتح لهم
بابًا مباحًا، ويش وجهه؟ (
ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان)، فسد الباب
الْمُحَرَّم، ولكن فتح الباب المباح، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا [البقرة: ١٠٤]، بعده:
وَقُولُوا انْظُرْنَا، أرشدهم إلى
اللفظ الجائز:
وَقُولُوا انْظُرْنَا، وكذلك في
المعاملات، قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء إليه بتمر جيد وأخبره الآتي به
أن يأخذ الصاع منه بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، قال:
«لَا
تَفْعَلْ وَلَكِنْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ
جَنِيبًا» ،
يعني تمرًا جيدًا، فأرشده إلى المباح.
وهكذا ينبغي لكل إنسان ينهى الناس عن شيء
هم واقعون فيه أن يُبَيِّن لهم الْمَخْرَج، أمّا إنه يقول: هذا حرام، وهو لا يجوز،
طيب افتح لهم بابًا، ولهذا ينبغي لكل داعية وكل ناصح أن يبحث أولًا عن البديل، ابحث
أولًا عن البديل ثم انْهَ عنه، هذا هو الأفضل والحكمة.
افرض أننا نجد رجلًا
قائمًا على رأس العمل، لكن ما فيه خير، فأردنا أن نكلم عنه مَن يزيله عن هذا العمل،
ماذا نصنع؟ نقول: أَخِّر فلانًا، فقط؟ نجيب واحدًا نقول: هذا خير منه لأجل أن يسد
هذا بهذا، أما أن نترك الناس وهم محتاجون لهذا الشيء نسده عليهم، ثم لا نفتح لهم
الباب المباح، وفي الأبواب المباحة والحمد لله ما يغني عن هذا.
(...) ما شاء
الله، ففيه رد على القدرية، لكن قد يكون يتعلق بفعل الله (...).
(وجاء عن
إبراهيم النخعي أنه يكره: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقال: بالله ثم بك، قال: ويقول:
لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان)، إبراهيم النخعي ما طبقته؟
طالب: التابعين.
الشيخ: من
التابعين.
طلبة: نعم.
الشيخ: هو من فقهاء التابعين، لكن ذَكَرَ حماد بن زيد أنه قليل
البضاعة في الحديث، ولكنه فقيهٌ، لا شك أنه من الفقهاء، أقاويله كلها تدل على أن
الرجل فقيه، يقول: يكره (أعوذ بالله وبك)، ويش معنى العياذ؟ الاعتصام مما يكره، هذا
العياذ، وأما اللجوء إلى الشخص لطلب المحبوب فيسمى لِيَاذًا، قال الشاعر:
| يَا مَـــــــنْ أَلُـــــــــوذُ بِهِ فِيــــــــمَا
أُؤَمِّــــــــلُهُ |
وَمَـــــنْ أَعُــــــــــوذُ بِهِ مِمَّـــا
أُحَــــــــــاذِرُهُ |
| لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ |
وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ
جَابِرُهُ |
الشاهد في البيت الأول:
| يَا مَـــنْ أَلُـــوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ |
وَمَـــنْ أَعُــــوذُ بِهِ مِمَّا
أُحَاذِرُهُ |
وهذان البيتان يخاطب بهما رجلًا، لكنه
-كما قال ابن كثير رحمه الله- يقول: هذا لا ينبغي أن يكون إلا لله عز وجل، قال: إذن
أعوذ بالله وبك مُحَرَّم، لماذا؟ لأنه جمع بين الله وبين المخلوق بحرف يقتضي
التسوية وهو الواو، (أعوذ بالله وبك).
ويجوز أن يقول: بالله ثم بك، لماذا؟
لوجود (ثم) الدالة على الترتيب والتراخي، لكن هاهنا إشكال في هذا الكلام، وهو أنه
سبق لنا في هذا الكتاب ترجمة مستقلة، ما هي؟
(
باب: من الشرك الاستعاذة بغير
الله)، ما مر علينا الاستعاذة بغير الله مطلقًا ولو بـ(ثم)، المؤلف قال:
(
باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله)، ومر علينا هذا، وأتى بالآية:
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦]، ومقتضى ذلك أن يكون قوله: (أعوذ
بالله ثم بك) حرامًا، حتى ولو بـ(ثم)، إلا أنه سبق لنا هناك أن الاستعاذة بمن يقدر
على أن يعيذك جائزة، وذكرنا قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الفتن:
«وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ»، فأمر
الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يُعَاذَ بهذا الملجأ، وقد صرح الشيخ صاحب
تيسير
العزيز الحميد بذلك، يعني صَرَّح بأنه تجوز الاستعاذة بمن يقدر أن يعيذك، إذن
لو قال: (أعوذ بالله ثم بفلان) وهو ميت مقبور، ويش يكون هذا؟
طلبة: شرك.
الشيخ: لا، شوف العبارة،
(أعوذ بالله ثم فلان)، أتى بـ(ثم) مثلثة مضمومة الثاء مشددة الميم (ثم فلان) يجوز؟
ما يجوز؛ لأنه ما يقدر أن يُعِيذَه، فيكون هذا من باب الشرك الأكبر؛ لأنه يسمونه
الاستعاذة بالشيء السِّرّ، اللي ما هو سبب ظاهر يُعِيذُه (...).
(
ويقول:
لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان)، مثل ما سبق (لولا الله ثم
فلان) هذه جائزة؛ لأنها عُطِفَت بـ(ثم) الدالة على الترتيب والتراخي، وأما (لولا
الله وفلان) فهي دالة على المساواة بين المعطوف والمعطوف عليه.
هذا التقرير
اللي ذكرناه في مسألة الاستعاذة ما يُشْكِل فيه عندي إلا قول الإمام أحمد -رحمه
الله- مستدلًّا على أن القرآن غير مخلوق، قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا
خَلَقَ» ، وقال: إن
الاستعاذة لا تكون بمخلوق.
فيُحْمَل كلام الإمام أحمد رحمه الله على أن
الاستعاذة بكلام ما تكون بكلام مخلوق، وإنما تكون بكلام غير مخلوق، والكلام لا شك
أنه تابع للمتكلِّم به؛ إن كان المتكلِّم به مخلوقًا فهو مخلوق، وإن كان المتكلِّم
به هو الله فهو كلامه غير مخلوق، وإلا فالحديث في
صحيح مسلم في الفتن:
«فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ»، هذا
لفظ الحديث.
ثم قال المؤلف: (
فيه مسائل؛ الأولى: تفسير آية البقرة
بالأنداد)، مَن الذي فَسَّرَها؟ ابن عباس، حيث قال: (إن الأنداد أخفى من دبيب
النمل على الصفاة السوداء في ظلمة الليل).
(
الثاني: أن الصحابة يُفَسِّرون
الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر)، وين؟ لأن ابن عباس فَسَّرَها
بما يقتضي الشرك الأصغر مع أنها هي نازلة في الشرك الأكبر يخاطَب بها المشركون،
فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢]، ولا شك أن الأنداد جمع نِدّ، فتشمل النظير
المساوي على سبيل الإطلاق، أو المساوي في بعض الأمور.
يقول:
(الثالثة: أن
الحلف بغير الله شرك)، ويش الدليل؟ حديث ابن عمر.
(
الرابعة: أنه إذا حلف
بغير الله صادقًا فهو أكبر من اليمين الغموس)، ويش هي اليمين الغموس؟ أن يحلف
بالله كاذبًا، وهذا هو المذهب -مذهب الحنابلة- أن اليمين الغموس أن يحلف بالله
كاذبًا، وقال بعض العلماء: إن اليمين الغموس أن يحلف كاذبًا ليقتطع بها مال امرئ
مسلم، وهذا هو الصحيح؛ أن اليمين الغموس هي التي يحلف بها كاذبًا ليقتطع بها مال
امرئ مسلم.
(
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ)، ويش الفرق؟ أن
الواو تقتضي المساواة فتَحْرُم، و(ثم) تقتضي الترتيب والتراخي فتَحِلّ، والله أعلم.
باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
01:06:41
(
باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله)، يعني معناه
حَلَفَ له ولم يقتنع، ووجه إدخال هذا الباب في كتاب التوحيد؛ لأن الاقتناع بالحلف
بالله من تعظيم الله، ذلك لأن الحالف أَكَّدَ ما حلف عليه بسبب التعظيم باليمين،
فإذا كان أَكَّدَ ما حلف عليه بالتعظيم -وهو تعظيم المحلوف به- كان من تعظيم ذلك
المحلوف به أن تُصَدِّق هذا الحالف، فعلى هذا يكون عدم الاقتناع بالحلف بالله فيه
شيء من نقص تعظيم الله عز وجل، وهذا ينافي كمال التوحيد؛ لأن كمال التوحيد أن
تُعَظِّم الله عز وجل بما يليق به.
ثم اعلم أن مَن لم يقنع بالحلف بالله إما أن
يكون ذلك من الناحية الشرعية، وإما أن يكون ذلك من الناحية الحسية؛ أما من الناحية
الشرعية فإنه يجب الرضا بالحلف بالله فيما إذا تَوَجَّهَت اليمين على المدَّعَى
عليه فحلف، فإنه يجب الرضا بهذا الحكم الشرعي، وأما من الناحية الحسية فلا يخلو إما
أن يكون الحالف موضع صدق وثقة فإنك ترضى بيمينه، وإما أن لا يكون كذلك فلا حرج عليك
أن ترفض الرضا بيمينه، ولهذا لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقصة عبد الله بن
سهل حُوَيِّصَة ومُحَيِّصَة قال:
«تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ
بِخَمْسِينَ يَمِينًا»، قالوا: كيف نرضى يا رسول الله بيمين اليهود؟ أو قالوا: لا
نرضى بذلك. فأَقَرَّهُم النبي عليه الصلاة والسلام
.
فالحاصل أنه إذا كان الحالف محل ثقة وأمانة فإن المطلوب منك أن ترضى بذلك، أما
إذا لم يكن محل ثقة وأمانة فلا حرج عليك أن ترفض، فصار الحلف بالله له جهتان؛ الجهة
الأولى: أن يكون في محاكمة بحيث تتوجه اليمين على مَن أنكر، فيجب الرضا بالحكم
الشرعي؛ لأنه ليس له إلا يمينه فقط، مثاله: ادعى شخص على آخر بمئة درهم، فتخاصما
إلى القاضي، فقال القاضي للمدعِي: هل لك بينة؟ قال: لا، إذن يوجه اليمين إلى مَن؟
إلى المدَّعَى عليه بطلب خصمه، إذا قال: ترضى بيمينه؟ قال: نعم، أنا أطلب يمينه،
خَلُّوه يحلف، فإذا حلف وجب الرضا بذلك، ما هو الرضا من أجل أنه حلف، ولكن من أجل
أن هذا مقتضى الحكم الشرعي، ويكون المدَّعَى عليه حينئذ قد انتهى من الخصومة وبرئ
منها.
أما الوجه الثاني أو الجهة الثانية: فأن يكون من الناحية الحسية، فهذه إن
كان الحالف محل ثقة فإنك ترضى بيمينه، وإن لم يكن كذلك فلا حرج عليك أن ترفض يمينه،
وليس رفضك ليمينه هنا من أجل عدم تعظيم الله، ولكن من أجل أن الحالف ليس بثقة، فقد
يحلف وهو كاذب.
ثم قال المؤلف: (
عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»)، (لا)
ناهية، ولهذا جزم الفعل بها، والآباء جمع (أب)، يشمل الأب والجد وإن علا، فلا يجوز
الحلف بهؤلاء للنهي عنه، وقد سبق أنه نوع من الشرك.
(
«مَنْ
حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ»)، هذا مُوَجَّه للحالف.
(
«وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ»)، هذا مُوَجَّهٌ
لمن؟ للمحلوف له، لكن لاحظ أن هنا أمرين:
الأمر الأول: للحالف أن يكون صادقًا
فليصدق، والصدق هو الإخبار بما يطابق الواقع، هذا الصدق، ضده الكذب؛ أن يحلف أو أن
يُخْبِر بما يخالف الواقع، فمَن أخبر بما يطابق الواقع فهو صادق، ومن أخبر بما
يخالفه فهو كاذب، (
«فَمَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ
فَلْيَصْدُقْ»)، أي: فليكن صادقًا في يمينه، وهل يُشْتَرَط أن يكون مطابقًا
للواقع بحسب الواقع، أو يكفي الظن؟ يكفي الظن، فله أن يحلف على ما يغلب على ظنه،
وقد سبق لنا من ذلك أمثلة، وقوله: (
«فَلْيَصْدُقْ»)،
اللام لام الأمر.
أما الأمر الثاني فقال: (
«وَمَنْ حُلِفَ
لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ»)، إذا قرنت الجملتين، أو إذا قرنت هذين الأمرين
بعضهما ببعض فإن الأمر الثاني (
«مَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ
فَلْيَرْضَ») ينزل على ما إذا كان الحالف صادقًا؛ لأنه جمع أمرين؛ أمر
مُوَجَّه للحالف، وأمر مُوَجَّه للمحلوف له، فإذا كان الحالف صادقًا وجب الرضا.
فإذا قال قائل: إذا كان الحالف صادقًا فإنك تصدقه وترضى وإن لم يحلف؟
قلنا:
لكن اليمين تزيده توكيدًا.
وقوله: (
«وَمَنْ حُلِفَ لَهُ
بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ»)، تقدم لنا التفصيل في هذه المسألة، وأنه في باب
الحكم الشرعي يجب أن يرضى؛ لأنه حكم الله ورسوله.
في الأمر الحسي قلنا: إذا كان
ثقة فإنك تقبل، مأمور بأن ترضى، وإلا فلا ترضَ، حملًا له على ظاهره، وأنه لن يحلف
إلا على صدق.
(
«وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ
اللَّهِ»)
، (مَنْ لَمْ يَرْضَ)
بماذا؟ بالحلف، إذا حلف له فليس من الله، وهذه براءة منه، فتدل على أن عدم الرضا من
كبائر الذنوب، ولكن لا بد من ملاحظة ما سبق، وقد أشرنا أن في حديث القسامة دليلًا،
قال: إنه إذا كان الحالف غير ثقة فلك أن ترفض الرضا به؛ لأنه غير ثقة، لو أن أحدًا
حلف، قال: والله إن هذه الحقيبة -اللي من خشب- هذه من جلد، يجوز أن لا ترضى به.
طالب: نعم.
الشيخ: إي
يجوز؛ لأنك قاطع بكذبه، ومثل هذا لا ترضى به، وأَدِّبْه، قل: أنت حلفت بشيء كاذب
فيه يقينًا، والشرع لا يأمر بشيء يخالف الحس والواقع، ما يأمر إلا بشيء يستحسنه
العقل، ويشهد له بالصحة والحسن، وإن كان العقل لا يدرك أحيانًا مدى حُسْن هذا الشيء
الذي أمر به الشرع، ولكن يعلم عِلْمَ اليقين أن الشرع لا يأمر إلا بما هو حسن؛ لأن
الله يقول:
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠].
فإذا اشتبه عليك حُسْن شيء من أحكام الشرع
فَاتَّهِمْ نفسك إما بالقصور وإما بالتقصير، أما أن تتهم الشرع فهذا لا يمكن أبدًا،
ما صح عن الله ورسوله فإنه حق، وهو أحسن حكم.
وخلاصة هذا الباب أن يقال: إن فيه
أسئلة، أولًا: ما مناسبته لكتاب
التوحيد؟ وثانيًا: المحلوف له بالله ينقسم
إلى قسمين؛ أحدهما: في المحاكمة والمخاصمة والمرافعة إلى الشرع، والثاني: في الأمور
الحسية بدون محاكمة.
والسؤال الثاني أو الثالث: الحلف بالآباء حكمه أنه
مُحَرَّم، بل من الشرك كما سبق، إما أن يكون أصغر، وإما أن يكون أكبر.
والسؤال
الرابع: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قَرَنَ في هذا الحديث بين أمرين؛ أمر
وَجَّهَه إلى الحالف، وأمر وَجَّهَه إلى المحلوف له، أما الحالف فأمره أن يَصْدُق،
وأما المحلوف له فأمره أن يرضى.
فيه مسائل؛ الأولى: النهي عن الحلف بالآباء، من
أين تؤخذ؟
«لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»، والنهي
للتحريم.
الثانية: الأمر للمحلوف له بأن يرضى بالله؛ لقوله:
«وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ».
الثالثة: وعيد
مَن لم يَرْضَ، منين نأخذه؟
«فَلَيْسَ مِنَ
اللَّهِ».
بقي الرابعة أغفلها المؤلف، وهي أمر الحالف أن يَصْدُق، وهذه
مهمة؛ لأن الصدق واجب حتى في غير اليمين، فكيف باليمين؟ وقد سبق لنا أن مَن حلف على
يمين كاذبًا فهو آثم، وقد قال بعض العلماء: إنها اليمين الغموس، وقال آخرون: اليمين
الغموس هي التي يُقْتَطَع بها مال امرئ مسلم.
طالب: يا
شيخ.
الشيخ: نعم (...)، الأولى: أن أعلم كذبه فلا أحد
يقول: إنه يلزمني التصديق.
الثانية: أن يترجح عندي كذبه، فكذلك لا يلزمني
التصديق.
الثالث: أن يتساوى عندي الأمران، فهذه يجب عَلَيَّ أن
أصدق.
الرابعة: أن يترجح عندي صدقه فيجب أن أُصَدِّقه، أو لا؟
الخامسة: أن
أعلم صِدْقَه ما هو يترجح، أعلم أنه صادق؛ لأن عندي قرائن تؤيد كلامه، فهذا يكون من
باب أولى أن أصدقه إذا حلف.
في باب التحاكم فيجب أن أرضى وألزم، ويبرأ المدعى
عليه.
الحسية بأن يكون طريقها الحواس، مثل النظر، أو السمع، أو ذوق، أو شم.
طالب: (...).
الشيخ:
الحسية؛ لأن الحكم الشرعي يجب عليك أن ترضى به، سواء وافق هواك أو لم يوافق، حتى لو
حلف خصمي بأنه برئ مما ادُّعِيَ به وأنا أعلم أنه كاذب، يجب عَلَيَّ أني أرضى، ما
أقول: هذا حكم جور، أو هذا حكم ظلم، أو أكرر عليه الطلب، انتهت الخصومة الآن.
باب: قول: ما شاء الله وشئت
01:20:40
(
ما شاء
الله وشئت)، مناسبة هذا الباب للتوحيد ظاهرة جدًّا، وهي أن قول: (ما شاء الله
وشئت) من الشرك؛ إما أكبر وإما أصغر، فإن اعتقد أن هذا المعطوف مساوٍ لله عز وجل
فهو شرك أكبر، وإن زعم أنه دونه لكن أشرك به في اللفظ فهو شرك أصغر، وقد ذكر بعض
أهل العلم من جملة الضوابط للشرك الأصغر أن ما كان وسيلة للأكبر فهو شرك أصغر، وهذا
أحد الضوابط، وإلا ضوابط الشرك الأصغر كثيرة، منها هذه المسألة عن قتيلة؛
أن يهوديًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون،
تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا
أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت.
رواه النسائي
وصَحَّحه.
اليهودي هو المنتسب إلى شريعة موسى عليه الصلاة والسلام، وسُمُّوا
يهودًا إما من قوله تعالى:
إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦]، يعني رجعنا، وإما لأن جدهم اسمه يهوذا بن يعقوب، فعلى الأول تكون
النسبة من أجل العمل، وعلى الثاني تكون من أجل النسب والقرابة، ولا يبعد أن يكون
لهذا ولهذا.
يقول: أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون، يعني: أنتم
أيها المسلمون تشركون، يعني يقع فيكم الشرك بَيِّنًا، تقولون: ما شاء الله وشئت،
وتقولون: والكعبة، أما الأول فالشرك فيه من ناحية أنه جعل هذا المعطوف مساويًا لله
عز وجل؛ ما شاء الله وشئت، وأما الثاني: والكعبة، فلأنه حلف بغير الله سبحانه
وتعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر ذلك، ما قال: لسنا نفعل، ولا قال: ليس
بشرك، ولكنه أمرهم أن يُصَحِّحُوا هذا الكلام، أمرهم أن يقولوا: ورب الكعبة، فيكون
الإقسام حينئذ بمن يكون بالله عز وجل، وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت، فيكون
في ذلك الترتيب بين مشيئة الله تعالى ومشيئة هذا المخلوق.
وبذلك يكون اللفظ
صحيحًا؛ أما الأول فلأن الحلف صار بالله، وأما الثاني فلأنه جعل بلفظ يتبين به تأخر
أيش؟ مشيئة العبد عن مشيئة الله، وأنه لا مساواة بينهما.
في هذا الحديث فوائد، وفيه إشكال.
أما الفوائد ففيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على
هذا اليهودي، مع أن ظاهر كلام اليهودي أنه ليس لله، وإنما قصده بذلك اللوم والذم
للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان ما
قاله حقًّا لم ينكر عليه.
ثانيًا: فيه من فوائده:
وجوب الرجوع، أو مشروعية الرجوع إلى الحق وإن كان الذي نَبَّهَ عليه ليس مُحِقًّا،
من أين يُؤْخَذ؟ من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يُغَيِّرُوا ذلك.
وفيه أيضًا -من فوائده-: أنه ينبغي أن يغير الشيء
إلى شيء قريب منه؛ لأنه قال: ورب الكعبة، ما أمرهم أن يحلفوا، ما قال: احلفوا
بالله، أو ما أشبه ذلك، قال: ورب الكعبة؛ لأنه أقرب إلى اللفظ الذي كانوا يعتادونه،
وهو لفظ صحيح ولّا لا؟ صحيح، وكذلك (ما شاء الله ثم شئت)، ما قال: قولوا: ما شاء
الله وحده، كما قال في الرجل الذي قال:
ما شاء الله وشئت، قال:
«أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» ، بل قال:
«مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ»، وهو أقرب إلى قولهم: ما
شاء الله وشئت، من قوله: ما شاء الله وحده، أما الإشكال فأن يقال: كيف كان هذا
العمل مُقَرَّرًا ولم يُنَبِّه عليه إلا هذا اليهودي (...)؟
بالنسبة للرسول
عليه الصلاة والسلام فالجواب كما قال الأخ، يمكن أن يكون لم يسمعهم، ولا عَلِمَ
بهم، لكن هذا الاحتمال يَرِد عليه إشكال، وهو إذا كان الرسول لم يعلم بهم ولم
يسمعهم، أو إذا كان لم يسمعهم ولم يعلم..
طالب:
(...).
الشيخ: لا يا أخي.
طلبة: فالله يعلم.
الشيخ: فالله
يعلم، فيبقى الإشكال واردًا.
طالب: (...).
الشيخ: إي طيب، ما جوابه؟ (...).
الرسول عليه الصلاة والسلام
فإنه.. نقول: إن الجواب عن الأول الذي هو إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام هو أن
النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أنه لم يعلم بهذا الاستعمال، وأنه شائع، وأما
بالنسبة لإقرار الله سبحانه وتعالى لهم فقد يكون لِحِكَم، منها هذا الذي علمناه.
لماذا اختار النبي عليه الصلاة والسلام أن (...)؟
أيضًا عن ابن عباس رضي
الله عنهما أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم:
ما شاء
الله وشئت. (...) عن ابن عباس رضي
الله عنهما، أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم:
مَا شَاءَ
اللَّهُ وَشِئْتَ، هذا الرجل يظهر لي أنه قال ذلك تعظيمًا لرسول الله صلى
الله عليه وسلم، قال: ما شاء الله وشئت، تعظيمًا له، وأنه -أي هذا الرجل- جعل الأمر
مفوَّضًا إلى مشيئة الرسول عليه الصلاة والسلام ومشيئة الله، ولكن النبي صلى الله
عليه وسلم المبعوث بتحقيق التوحيد أنكر عليه ذلك، ويش قال؟ قال:
«أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟»، والاستفهام هنا للإنكار،
وقد يكون مُضَمَّنًا معنى التعجب، يعني: كيف تجعلني لله نِدًّا؟ فهو جامع بين
الإنكار والتعجب؛ لأن أي إنسان يجعل المخلوق نِدًّا للخالق، فلا شك أنه أتى شيئًا
عُجَابًا.
وقوله:
«نِدًّا»، ويش معنى النِّدّ؟
النِّدّ النظير والمساوي، يعني: أجعلتني لله تعالى مساويًا في هذا الأمر؟ بل ما شاء
الله وحده، يعني أرشده إلى أن يقول: ما شاء الله وحده، لأجل أن يقطع ما يمكن أن
يجعله شركًا، ما أرشده إلى (ما شاء الله ثم شئت)، بل إلى (ما شاء الله وحده)، حتى
يقطع عنه كل ذريعة وإن بَعُدَت إلى الشرك.
فيستفاد من هذا
الحديث: أن تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام تعظيمًا يساوي الخالق شرك، فإن
كان يعتقد المساواة فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد دون ذلك فهو شرك أصغر، إذا كان هذا
الأمر شِرْكًا فكيف بمن يجعلون حق الخالق للرسول عليه الصلاة والسلام، يكون هذا أشد
وأعظم، إنهم يُرَدِّدُون قول القائل:
| يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ |
سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ
الْعَمَمِ |
يُرَدِّدُون هذه في ليالٍ يعتقدون أنها من
أشرف الليالي وأشدها قربة إلى الله عز وجل، فكأنما يَتَقَرَّبُون إلى الله بالإشراك
به -والعياذ بالله- وهذا من أعظم، بل في الحقيقة ما هو إشراك به، أشد من الإشراك
به، ما لي من ألوذ به سواك، يعني: ولا رب العالمين عند حلول الحادث العمم، وهذا
البيت من أَكْذَب ما يكون، لماذا؟ أعتقد أن أي واحد يصاب بحادث عَمَم أو خاصّ لو
التجأ للرسول صلى الله عليه وسلم ينفعه الرسول؟ أبدًا لا ينفعه، لو يدعو إلى يوم
القيامة ما نفعه الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا كان الله يقول له:
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعراف: ١٨٨]،
قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا [الجن: ٢١] ،
قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: ٥٠].
فكيف يكون مصاب بالحادث العمم أو
الخاص لا يجيره إلا الرسول عليه الصلاة والسلام وهو ميت في قبره صلى الله عليه
وسلم؟ وإن كان حيًّا حياة برزخية، فهذا البيت من أكذب الحقائق، أو من أكذب الأقوال،
ومن أبطل المعاني، ومن أظلم الظلم -والعياذ بالله- ومع ذلك يتغنى به في ليلة
يعتقدون أنهم يتقربون إلى الله بإحيائها، وهي ليلة المولد، ويقول:
| إِنْ لَمْ تَكُنْ آخِذًا يَوْمَ الْمَعَادِ يَدِي |
فَضْلًا وَإِلَّا فَقُـــــلْ يَا زَلَّةَ
الْقَــــدَمِ |
نسأل الله العافية، ثم قال:
| فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتُهَا |
وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمُ اللَّوْحِ
وَالْقَلَمِ |
قال بعض أهل العلم: إنه لم يُبْقِ لله
شيئًا، وهذا حق، إذا كانت الدنيا وضرتها -وهي الآخرة- من جوده، وليست كل جوده
أيضًا، من جوده، وعِلْم اللوح والقلم من علمه، ويش بقي لله عز وجل؟ ما بقي لله شيء،
وإني لأعجب كيف يتصور الإنسان أن يقول هذا القول وهو يعتقد معناه، ما أعتقد يقول
هذا القول شخص يعتقد معناه إلا وبه جنون، الرسول صلى الله عليه وسلم خُلِقَ من ماء
أبيه، وكُوِّنَ في رحم أمه، وخرج عليه الصلاة والسلام كما يخرج الناس، وارتضع كما
يرتضع الناس، ويجوع كما يجوع الناس، ويعطش كما يعطش الناس، ويتألم كما يتألَّمُون،
ويمرض أكثر مما يمرضون، يُوعَك كما يُوعَك الرجلان منا، وينسى كما ننسى، كل الأحوال
البشرية منضبطة عليه، ويستعد للدفاع عن نفسه.
لو كان له شيء من خصائص الربوبية
لقال للشيء: كن، فيكون، لكنه يستعد، يلبس الدرع، وفي أُحُد ظَاهَرَ بين دِرْعَيْن،
عليه الصلاة والسلام، ويحمل السلاح، ويلبس اللأمة، هل بالله عليكم هل هذا مما يقتضي
أن يكون له حق في الربوبية؟ أبدًا، بل إن هذا مما يحقق الخصائص البشرية للرسول عليه
الصلاة والسلام، ولكنه صلى الله عليه وسلم أعطاه الله تعالى الفضل على البشر بما
أوحى إليه من هذا الشرع العظيم الذي ما شرع للعالم مثله، ولم يشرع هذا الذي هو
تميز،
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف: ١١٠]، شوف البشرية مثلنا بشر، وأُكِّدَت البشرية بقوله:
مِثْلُكُمْ، ثم جاء التمييز بينه وبين الخلق بقوله:
يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف: ١١٠]، ولا شك أن الله أعطاه من الأخلاق الفاضلة التي بها الكمالات من كل وجه، أعطاه
الصبر العظيم، وأعطاه الكرم، وأعطاه الجود، لكنها كلها في حدود البشرية، أما أن تصل
إلى الخصائص الربانية فهذا أمر لا يمكن، ومن ادعى ذلك فقد كفر بمحمد صلى الله عليه
وسلم، وكفر بمن أرسله.
فالمهم أننا لا نغلو في الرسول عليه الصلاة والسلام
فننزله في منزلة هو ينكرها، ولا نهضم حقه الذي يجب أن يكون، بل الذي كان له علينا،
فنعطيه ما يجب له، ونسأل الله أن يعيننا على القيام بحقه، ولكننا لا ننزله منزلة
الرب عز وجل، والله تعالى هو الذي يأمره أن يقول كما ذكرنا آنفًا:
قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا،
قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: ٥٠]،
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨].
قال: ما شاء الله وحده.
وفي هذا الحديث من الفوائد: إنكار المنكَر ولو كان في أمر
يتعلق بك، من أين يؤخذ؟ من أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على هذا، قال:
«أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟»، مع أنه هو فعل هذا تعظيمًا
له، وعلى هذا فإذا قابلك شخص وانحنى لك عند التسليم، فالواجب عليك أن تنكر عليه، لا
تقول: والله أستحي، هذا إنسان أكرمني أستحي أن أقول له: هذا حرام، لا، قل: هذا
حرام، ولا تأخذك في الله لومة لائم، ولا يضرك ذلك شيئًا.
وفي هذا الحديث دليل على أنه مِن حُسْن الدعوة إلى الله عز
وجل أنك إذا ذكرت ما يُمْنَع فاذكر ما يُبَاح، حتى لا تسد الباب أمام الناس؛ لأنه
لما منعه من (ما شاء الله وشئت) أرشده إلى الجائز، وهذا دليل من عدة أدلة؛ من
القرآن و..